الشيخ محمد الصادقي الطهراني
370
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
« والذين تبوّءوا الدار » : دار الهجرة ، المدينة المنورة ، فإنها من أسمائها العشرة كما يروى عن الرسول صلى الله عليه وآله « 1 » و « الإيمان » تبوُّءاً لهما على سواء ، فكما يطمئن الإنسان إلى داره ، واطمأن هؤلاء الأماجد إلى إيمانهم الرصين الحصين واستوطنوه ، وطناً أليفاً أميناً للروح ، كما الدار مأمن للجسم . فالتبوُّء من البواء : مساواة الأجزاء في المكان ، خلاف التَّبوئه وهي منافاة الأجزاء ، فالتبوُّء هو التكلف في البواء للراحة والطمأنينة ، سواء أكان بواءً في المكان والدار ، أو المكانة والإيمان ، ف ( الإيمان بعضه من بعض وهو دار ، وكذلك الإسلام دار والكفر دار كما في الصادقي عليه السلام ) . « 2 » فهؤلاء الأنصار تبوّءوا مكاناً يناسب الإيمان ، عمّروهما وتهيئوا لاستقبال الرسول صلى الله عليه وآله والمهاجرين فيها ، مكاناً تتساوى أجزاؤه لهم وللوافدين المهاجرين ، وهذه هي التبوئة الحقيقية العادلة ، فإن المهاجرين المضطهدين كانوا بحاجة إلى هكذا بواء الذي فيه كل رواع قلباً وقالباً ، بعدما اضطهدوا ولاقوا ما لاقوا من الأذى طيلة المقام بمكة ، فإن أهلها كانوا يدمرون الدار والإيمان ، فهاجروا إلى من يعمرون الدار والإيمان ، لهم ولمن سواهم سواء ، يملكهم الحب في اللَّه ويملكونه ( وهل الدين إلا الحب ؟ ) . « 3 » « يحبون مَن هاجر إليهم » حباً لهم واستقبالًا عديم النظير في التأريخ ، فقد كانوا يتسابقون إلى إيوائهم ، واحتمال أعبائهم ، لحدّ كان المهاجرون يقترعون لأنفسهم لدور الأنصار ، إذ كانت مفتحة لهم الأبواب أكثر من الحاجة « ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أُوتوا » هم ، مهما كانوا محاويج في متطلبات عيشتهم ، ولا سيما مع الضيوف : الواردين ،
--> ( 1 ) . الدر المنثور 6 : 195 - أخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن زيد بن أسلم قال قالرسول اللَّه صلى الله عليه وآله : ( للمدينة عشرة أسماء هي : المدينة وهي طيبة وطابة ومسكينة وجابرة ومجبورة وتبدد ويثرب والدار ) ( 2 ) . الكافي بإسناده إلى أبي عبداللَّه الصادق عليه السلام في حديث طويل يقول فيه : . . ( 3 ) . محاسن البرقي بإسناده إلى باقر العلوم عليه السلام في حديث : ( الدين هو الحب والحب هو الدين ) يعني الحب في اللَّه